السيد عبد الأعلى السبزواري

348

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

بالنسبة إليهم ، من باب التطبيق لا التخصيص ، أو بيان غاية قبح السحر . ثم بيّن تعالى بعض وجوه كفرهم بما ذكره جل شأنه . قوله تعالى : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . ليفتنوهم عن دينهم ويضلوهم عن سبيل الحق ، وفي الآية المباركة إشارة إلى قبح السحر بل إيجابه الكفر ، وقد عبّر في الأحاديث عن السحر بالكفر ، فعن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) « السحر والشرك مقرونان » ، وعن علي ( عليه السلام ) : « من تعلم شيئا من السحر - قليلا أو كثيرا - فقد كفر » . قوله تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . الملكين ( بفتح اللام ) تثنية الملك [ بالفتح ] ، وهي القراءة المشهورة ، وصريح بعض الروايات كما يأتي في البحث الروائي ، وقرأ بعضهم ملكين ( بكسر اللام ) تثنية الملك ، ولم يعهد ذلك في التاريخ ، ولو كان لشاع وبان ، وقد ذكروا في توجيه ذلك أمورا لم يقم عليها دليل من العقل أو النقل فالأولى الإعراض عن ذكرها . وكيف كان فهما ملكان بعثهما اللّه تعالى لإتمام الحجة على شعب بابل ليعلّموا مضار السحر ، ويدفعوا به عن سحر السحرة وكيد الشياطين ، ولعل ذلك كان مقدمة لظهور دعوة أنبياء اللّه تعالى ، وإيذانا بزوال دعوة الشياطين إلى السحر والكهانة ونحوهما من الأباطيل ، وسيأتي معنى الإنزال . قوله تعالى : بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ . بابل هي المدينة المعروفة في العراق عاصمة البابليين أعظم مملكة في المعمورة في ذلك الحين . وقد دلت التواريخ على أنها كانت أقوى مركز للسحر والكهانة في تلك الأعصار ، بل ليس في الحضارات كلها حضارة أغنى في الخرافات من الحضارة البابلية . كما أنها كانت مركزا تجاريا هاما يؤمها التجار فكانت مورد اختلاف النّاس من أطراف العالم لأغراضهم الدنيوية ، ولذلك كثر تردد أنبياء اللّه ( عليهم السلام ) إليها لإظهار الحجة والبيان عليهم في كل فرصة يجدونها ، فالقادسية ( بانيقا ) موجودة حتّى الآن قرب بابل ، وهي محل رعي